مُراجَع ومُحدَّث حتى ٢٦ أغسطس ٢٠٢٦ — مؤسسة المستشار عاطف الحصوة للمحاماة والاستشارات القانونية
اتهام في جريمة من جرائم المال العام لا يبدأ من قاعة المحكمة — بل من اللحظة التي يُوقَّع فيها محضر، أو يُوقّع أمر صرف، أو تُستلم عهدة. هذا الملف يشرح — بنصوص القانون وأحكام محكمة النقض الصادرة حتى ديسمبر ٢٠٢٥ — ما الذي يجعل الفعل جريمة، وما الذي لا يجعله كذلك، والباب الذي فتحه المشرّع لإنهاء الدعوى.
أولاً: ما هو «المال العام»؟ — والمفاجأة أنه أوسع مما تظن
عرّفت المادة ١١٩ من قانون العقوبات الأموال العامة بأنها ما يكون كله أو بعضه مملوكاً لإحدى جهات محددة أو خاضعاً لإشرافها أو لإدارتها. والعبارة الحاسمة هنا هي «أو بعضه» و«أو خاضعاً لإشرافها».
والجهات التي عددتها المادة هي: الدولة ووحدات الإدارة المحلية؛ الهيئات والمؤسسات العامة ووحدات القطاع العام؛ النقابات والاتحادات؛ المؤسسات والجمعيات الخاصة ذات النفع العام؛ الجمعيات التعاونية؛ الشركات والجمعيات والوحدات الاقتصادية والمنشآت التي تساهم فيها أي من الجهات السابقة؛ وأية جهة أخرى ينص القانون على اعتبار أموالها عامة.
النتيجة العملية: مساهمة الدولة بنسبة — ولو جزئية — في شركة تكفي لإسباغ صفة المال العام على أموالها. وقد طبّقت محكمة النقض ذلك على أموال هيئة تابعة لإحدى الوزارات:
«كشف الحكم المطعون فيه أن الأموال محل الجريمة مملوكة لهيئة السلع التموينية التابعة لوزارة التموين تتوافر به صفة المال العام. النعي على الحكم في هذا الشأن غير مقبول.»
نقض جنائي — الطعن رقم ٧٠٠٥ لسنة ٩٤ ق — جلسة ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٥
ثانياً: من هو «الموظف العام» في هذا الباب؟
لا يقتصر الوصف على من يحمل قرار تعيين حكومياً. فالمادة ١١١ عقوبات تَعُدّ في حكم الموظفين — في تطبيق نصوص هذا الفصل — المستخدمين في المصالح التابعة للحكومة أو الموضوعة تحت رقابتها، وأعضاء المجالس النيابية العامة أو المحلية سواء كانوا منتخبين أم معينين، والمحكّمين والخبراء ووكلاء الدائنين والمصفّين والحراس القضائيين، وكل شخص مكلف بخدمة عمومية.
وقد حسمت النقض أثر ذلك على القيادات التنفيذية في الجهات التي تُعدّ أموالها عامة:
«جناية الاختلاس. تحققها؟ المادة ١١٢ عقوبات. اعتبار رؤساء ومجالس الإدارات والمديرين وسائر العاملين في الجهات التي اعتبرت أموالها أموالاً عامة موظفين عموميين في حكم المادة ١١٩ عقوبات.»
نقض جنائي — الطعن رقم ١٠٧٩٤ لسنة ٩٤ ق — جلسة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٥
ومن ثم فإن الدفع بانتفاء صفة الموظف العام دفعٌ موضوعي تستقل به محكمة الموضوع متى استخلصته استخلاصاً سائغاً، ولا تُقبل المجادلة فيه أمام النقض. (نقض جنائي — الطعن رقم ١١١٣٨ لسنة ٩٢ ق — جلسة ٢٧ يناير ٢٠٢٤)
ثالثاً: خريطة الجرائم — الفروق التي تحسم الوصف
١) الاختلاس — المادة ١١٢
أن يختلس الموظف العام أموالاً أو أوراقاً أو غيرها «وجدت في حيازته بسبب وظيفته». العقوبة السجن المشدد، وتصير السجن المؤبد في ثلاث حالات: إذا كان الجاني من مأموري التحصيل أو المندوبين له أو الأمناء على الودائع أو الصيارفة وسُلّم إليه المال بهذه الصفة؛ أو إذا ارتبطت الجريمة بتزوير أو استعمال محرر مزور ارتباطاً لا يقبل التجزئة؛ أو إذا ارتُكبت في زمن حرب وترتب عليها إضرار بمركز البلاد الاقتصادي أو بمصلحة قومية.
مناط التمييز هنا هو «الحيازة بسبب الوظيفة». فإن لم تكن للمال حيازة سابقة لدى الموظف، خرج الفعل من الاختلاس إلى وصف آخر.
٢) الاستيلاء وتسهيله — المادة ١١٣
أن يستولي الموظف العام بغير حق على مال أو أوراق أو غيرها لإحدى الجهات المبينة في المادة ١١٩، أو يُسهّل ذلك لغيره بأية طريقة كانت. والعقوبة السجن المشدد أو السجن.
وللنص فقرتان بالغتا الأهمية عملياً: الأولى أنه إذا وقع الفعل «غير مصحوب بنية التملك» صارت العقوبة الحبس والغرامة التي لا تزيد على خمسمائة جنيه أو إحدى العقوبتين — أي ينزل الوصف من جناية إلى جنحة. والثانية أن النص يمتد إلى الاستيلاء على مال خاص يكون تحت يد إحدى الجهات العامة.
«جريمة الاستيلاء المنصوص عليها بالمادة ١١٣ عقوبات. مناط تحققها؟ إثبات جريمة الاستيلاء على المال العام لا يشترط فيه طريقة خاصة. كفاية اقتناع المحكمة بوقوع الفعل المكوّن لها من أي دليل أو قرينة.»
نقض جنائي — الطعن رقم ٣٩٦٢ لسنة ٩٥ ق — جلسة ٢٠ نوفمبر ٢٠٢٥؛ والطعن رقم ٢٢٣٣٠ لسنة ٩٢ ق — جلسة ٣ فبراير ٢٠٢٤
٣) الحصول على ربح أو منفعة — المادة ١١٥
كل موظف عام حصل أو حاول أن يحصل لنفسه أو لغيره، بدون حق، على ربح أو منفعة من عمل من أعمال وظيفته — يعاقب بالسجن المشدد. ولاحظ أن مجرد «المحاولة» مؤثَّمة بذات النص.
٤) الإخلال بتوزيع سلعة — المادة ١١٦
الموظف المسئول عن توزيع سلعة أو المعهود إليه بتوزيعها وفقاً لنظام معين إذا أخلّ عمداً بنظام التوزيع، عقوبته الحبس، وتشتد إلى السجن إذا كانت السلعة متعلقة بقوت الشعب أو احتياجاته أو وقعت الجريمة في زمن حرب.
٥) السخرة واحتجاز الأجور — المادة ١١٧
استخدام عمال سخرة في عمل لإحدى الجهات العامة، أو احتجاز أجورهم كلها أو بعضها بغير مبرر — عقوبته السجن المشدد، وتكون الحبس إذا لم يكن الجاني موظفاً عاماً.
رابعاً: العقوبات التبعية — الجزء الذي يُغفَل فيُنقض الحكم
نصت المادة ١١٨ عقوبات على أنه — فضلاً عن العقوبات الأصلية — يُعزل الجاني من وظيفته أو تزول صفته، ويُحكم عليه بالرد وبغرامة مساوية لقيمة ما اختلسه أو استولى عليه أو حصّله أو طلبه من مال أو منفعة، على ألا تقل عن خمسمائة جنيه.
وهذه ليست تفصيلاً شكلياً. فقد قضت النقض بأن النزول بالغرامة عن قيمة المال خطأ في تطبيق القانون يوجب تصحيح الحكم بزيادتها:
«معاقبة المطعون ضده عن جريمة الاستيلاء على المال العام بغرامة نسبية تقل عن مقدار المال المختلس. خطأ في القانون يوجب تصحيح الحكم بزيادة مبلغ الغرامة.»
نقض جنائي — الطعن رقم ٣٨٧ لسنة ٩٤ ق — جلسة ٢٧ مايو ٢٠٢٥
وبالمثل، فإن إغفال الحكم القضاء بعقوبة الرد يمثل عواراً يتصدى له الطعن. (نقض جنائي — الطعن رقم ٥٣١٣ لسنة ٩٥ ق — جلسة ٤ نوفمبر ٢٠٢٥)
خامساً: التصالح — الباب الذي يُنهي الدعوى
أجاز المشرّع التصالح في جرائم الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات — وهو الباب الذي يضم كل ما تقدم. والآلية محددة بدقة في المادة ١٨ مكرراً (ب) من قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون ١٥٠ لسنة ١٩٥٠:
وقد أعملت النقض هذا النص فعلياً في قضية اختلاس اقترنت باشتراك في تزوير محرر رسمي واستعماله، بعد سداد كامل المبالغ والتعويض وتحرير محضر تصالح معتمد. (نقض جنائي — الطعن رقم ٥٤١ لسنة ٩٥ ق — جلسة ٣ سبتمبر ٢٠٢٥؛ والطعن رقم ٢٢٥١ لسنة ٩٥ ق — جلسة ١٤ سبتمبر ٢٠٢٥)
قيد مهم على التصالح
التصالح ليس مفتوحاً بإطلاق. فقد قضت النقض بأنه لا يمكن إعماله في جريمة الاختلاس إذا كان محل الاختلاس أوراقاً لا يمكن تقويمها بالمال، وإنما بالقيمة الأدبية أو الاعتبارية — إذ ينتفي عندئذٍ محل التسوية المالية. (نقض جنائي — الطعن رقم ٤٨٤١ لسنة ٩٤ ق — جلسة ١٢ فبراير ٢٠٢٥)
تنبيه على تغيير قادم
قانون الإجراءات الجنائية الجديد الصادر بالقانون رقم ١٧٤ لسنة ٢٠٢٥ نقل هذه الآلية بذاتها إلى المادة ٢٣ منه، مع إضافة تنظيم صريح لحالة التصالح بعد صيرورة الحكم باتاً والمحكوم عليه محبوس. فمن الضروري — عند العمل على أي ملف يمتد إلى ما بعد نفاذ القانون الجديد — الإحالة إلى الرقم الصحيح للمادة.
سادساً: خمسة أخطاء تُفقد الدفاع أثره
متى تطلب الاستشارة؟
قبل الإدلاء بأي أقوال. في هذا النوع من القضايا تُبنى الإدانة أو البراءة على تفاصيل تبدو تفصيلية وقت وقوعها: طبيعة الحيازة، تاريخ العهدة، صيغة أمر الصرف، من وقّع ومتى، وهل كان الفعل مصحوباً بنية التملك أم لا. والتقدير القانوني لهذه التفاصيل يسبق التحقيق ولا يلحقه.
تتولى مؤسسة المستشار عاطف الحصوة للمحاماة والاستشارات القانونية دراسة ملفات جرائم المال العام وإعداد الدفاع فيها أمام درجات التقاضي المختلفة، وفق قواعد القانون وما استقرت عليه أحكام محكمة النقض.
تنويه
هذا المقال مادة تثقيفية عامة تستند إلى نصوص القانون المصري وإلى أحكام محكمة النقض المنشورة على بوابة تشريعات المحكمة. ولا يُعد استشارة قانونية في واقعة بعينها، ولا يُغني عن دراسة أوراق كل ملف على حدة، إذ يختلف التكييف القانوني باختلاف الوقائع والمستندات. ولا يتضمن هذا المقال أي وعد أو ضمان بشأن نتيجة أي دعوى.
للتواصل: info@alhasswalawfirm.com — www.alhasswalawfirm.com — ١٣٩ شارع مصطفى النحاس، مدينة نصر، القاهرة.
إعداد: المستشار عاطف عاصم الحصوة



